باب الشرق

كتب

السادات ذو الأوجه المتعددة في كتاب روبير سوليه

كه يلان محمد

 

لم يَشْهَد التاريخ السياسي الحديث شخصية سياسية أثارت الجدلَ بمواقفها وقراراتها. مثلما حصل ذلك مع الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات الذي من الصعوبة بمكان تحديد موقفك حوله أو إصدار الأحكام عليه. إذ تباينت الأراءُ والأفكارُ داخل مصر وخارجها في تقيِّيم ابنِ قرية “ميت أبوالكوم”. فهو قد وجد مثله الأعلى في زهران الذي قتله الإنكليز وتعرف عليه من خلال حكايات جدته.

ليس وجوده في موقع الرئاسة فقط أو مُشاركته في ثورة 1952 أو زيارته للقدُس وإبرام إتفاقية السلام مع إسرائيل، هو ما يجعلُ أنور السادات شخصاً ما إنفك النقاش حوله مُحْتَدِماً، بل نشأته والأحلام التي راودته بأن يصبح ممثلاً وطرده من الجيش ومُحاولاته لتصفية بعض شخصيات مؤثرة في العهد الملكي وتجربته في السجون؛ هذه العوامل كلها مُجْتَمِعةً تدفع بك بأن تهْتَمَ بسيرة أنور السادات، حتى وإن لم يكن التاريخ والسياسة من إختصاصك حيثً يصنفه البعض في صفوف رجال يصنعون التاريخ، كما أن هناك من يعتبرُ أن السادات قد التبست لديه مبادىء السياسة بأدوار الممثل. ومما يزيدك إقتناعاً بأهمية هذا الرجل أن حياته ما سارت على وتيرة واحدة كما تمثلت شخصيته في صور متعددة.

وقد فتح الصحافي والروائي الفرنسي – من أصل مصري – روبير سوليه حلقات النقاش من جديد بإصدار كتاب عن السادات في عام 2014 وما أن نُشرتْ طبعته العربية مؤخراً من دار أنطوان حتى تمحورت عليه المقالات التي قلما تجد من بينها ما يمكن وصفها بالموضوعية، بل معظم الكُتاب قد حاولوا تكريس صورة نمطية لشخصية السادات وإنتقوا من كتاب روبير سوليه الموسوم بـ “السادات” ما يخدم غرضهم بهذا الإتجاه. بخلاف منهج صاحبه الذي حاول أن يُحافظ على حيادته وإستفاد من عدة مصادر في مُقاربته لشخصية أنور السادات.

البدايات

يعود صاحب رواية “سقوط فرعون” إلى طفولة أنور السادات والظروف التي نشأ في كنفها حيث يذكرُ أن والده كان مزواجاً ومطلاقاً، وأن أمه نصف مصرية ونصف سودانية، ولم يرث السادات لون أبيه بل حملت ملامحه سمرة والدته.

ويشير سوليه إلى أن قرية “ميت أبوالكوم” لم تصلها آنذاك معالم المدنية، كأن سنوات ضوئية تفصلها عن القاهرة والإسكندرية. وبعد أن يتلقي الدرس القرآني فى الكُتّاب يتوجه إلى المدرسة القبطية. ومن ثم ينتقل بين مدرسة الفؤاد الأول ومدرسة الأهرام الخاصة بعدما تستقر أسرته في القاهرة. وأضاف السادات كمال أتاتورك وغاندي إلى صف زهران وأصبح مُعجباً بقائد تركيا الحديثة، ولم يُفارقه كتابُ “سيرة حياة أتاتورك”. وعندما يمرُ الزعيم الهندي غاندي بمصر يقلده السادات في ملبسه ويعتزل فوق سطح منزلهم إلى أن أقنعه أبوه بالخروج من مُعْتَكفه. ويبدو أن الإعتزال سيُصبَحُ سجية فى شخصية السادات ويُفضل الوحدة قبل أن يُقدم على اتخاذ قرارات حاسمة.

لا يتجاهلُ المؤلف شغف السادات بفن التمثيل دون أن يحقق أمنيته بأن يكون ممثلاً. ويتناول الكاتب تجربة السجن لدى السادات حيث يُسجن أكثر من مرة على خلفية مشاركته في نشاطات سياسية وصلاته بجاسوسين ألمانيين، فيتعلم السادات في السجن اللغة الألمانية ويوسع قراءاته فهو تعجبه روايات جاك لندن، ومما تأثر به هو مقال هاري إيمرسون فوسديك، ويسردُ قصة لقائه بجيهان، وهي من أب مصري وأم إنكليزية.

في هذا الفصل يعتمد سوليه على كتاب هيكل “خريف الغضب” و”مذكرات السادات” وما نشره في صحيفة الجمهورية. كما يقارن بين روايات السادات المتضاربة حول دوره في الثورة.

السادات والثورة

قبل بدء الثورة كان السادات مُنخرطاً في النشاطات السياسية ومشاركاً في تخطيط لإستهداف أمين عثمان، كما وفّر طائرة لعزيز المصري الذي أراد أن يساعد ثورة العراق ضد الإنكليز. وله علاقة مع مرشد الإخوان حسن البنا دون أن ينضم إلى الجماعة، لأنه كما يورد الكاتب على لسان السادات أن الأخير كانت رؤيته شاملة، وما أراد تقيد نفسه بمجموعة معينة. لكن عندما يأتي الكلام على حجم مشاركة السادات في الثورة، لاتختلف روايته عما يقدمه محمد حسنين هيكل حيث يبدو في رواية الأخير أن السادات لم يتجاوز دوره مذيعاً لبيان الثورة. وبعد تحول النظام من الملكية إلى الجمهورية لم يشغلْ الساداتُ إلا مناصب شكلية، لكن عندما رأس المؤتمر الإسلامي أقام علاقات مع شخصيات مؤثرة مثل كمال أدهم الذي يلعب دوراً كبيرا في بعض الملفات الحساسة.

عُرف السادات بأنه وديعُ ونأى بنفسه عن دوائر الصراع، كما إعترض على قيام الديموقراطية، لأن الثورة لا تحتاج إلى أقلية أو أكثرية بل الثورة تحتاج إلى قائد واحد. وعندما يتراجع عبدالناصر عن تكليفه برئاسة مجلس الأمة يستوعب الموقف دون أن يبدر منه ما يفسر بأنه مُعارض لهذا القرار. هكذا يبقى السادات في الظل إلى أن يُعينه عبدالناصر نائبا له قبل رحيله بسنة، حيث اعتقد عبدالناصر بأن السادات يصلح لفترة إنتقالية كونه بعيداً عن مُناخ الصراعات.

السادات رئيساً

على الرغم من تأكيدات السادات في مستهل عهده بأنه سائر على نهج عبدالناصر ولا يحيدُ عنه لكن في حقيقة الأمر بدأت بوادر التغيير تلوح في الأُفق. وإستطاع الرئيس الجديد أن يعزز شرعيته من خلال ما أنجزه في حرب أُكتوبر. إذ أخذ يخط مساراً مُختلفاً تمثل في إطلاق سراح أتباع الإخوان المسلمين، كما انفتح أكثر على الغرب، وانصرف عن الاتحاد السوفيتس وإستغنى عن خدمات خبرائه. وأدرك بعض السياسيين أنهم قد أخطأوا في حكمهم على أنور السادات إذ يقول هنرى كيسنجر كما ينقلُ الكاتب عنه، بأنه من أفدح أخطاء حياته هو وصفه للسادات ببهلول إذ يعترف بأن السادات من العظماء الذين نحتاج إلى الوقت قبل الإعتياد على وجودهم.

تجد في شهادات قادة الغرب ما يتفق مع كلام علي السمان، وهو يقول بأن السادات رجل الوثبات الكبيرة، لا يتوقف عند التفاصيل. ويُعد قراره بزيارة القدس ومواجهة إسرائيليين في عقر دارهم من أكثر قراراته إثارة للجدل وتوقع المراقبون بأن من يجازف بهذه الخطوة قد ينال جائزة نوبل عليها كما من المحتمل أن يتلقى الرصاصات.

يطوى السادات صفحة الحرب مع العدو الإسرائيلي، ويتم توقيع إتفاقية السلام في 17 سبتمبر/أيلول عام 1978 بين مصر وإسرائيل. وبذلك المنطقة تدخل مرحلة جديدة وتتغير المُعادلات.

المشهد الأخير

مثلما أن العالم قد راقب خطوات السادات في القدس وإستمع إلى خطابه في الكنيست الإسرائيلى وشاهد لحظة توقيعه لإتفاقية السلام، كذلك يحظى المهشد الأخير في حياته بإهتمام العالم وإختلفت رودود الأفعال حول حادث المنصة حيث رحبت مُعظم الدول العربية بغياب السادات، بالمقابل اعتقد الغربيون بأن العالم قد خسر رجل السلام.

وما ستخرج به من قراءة هذا الكاتب التوثيقي الذي جمع بين آراء خصوم السادات وأصدقائه؛ بأن الرجل ليس له صورة واحدة فهو قد أصاب في بعض مواقفه وأخطأ في بعض آخر، كما أن السادات كان مُقلاً في إطلاق الشعارات التعبوية مؤمناً بخطوات عملية، ربما تجد في ذلك سر عدم تحوله إلى قائد جماهيري.ِ

يذكر أن بعض المناوئين للسادات قد تراجعوا عن مواقفهم وأدركوا عدم إنصافهم في قراءة مواقفه.

ميدل إيست أونلاين

أحمد راشد يخبرنا عما يدور في قاعة رقم 4
أضواء جديدة على شعرية نزار قباني

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy