باب الشرق

كتب

نادية هناوي تحلل التاريخ في نماذج روائية

محمد الحمامصي

 

ينشغل هذا الكتاب “السرد القابض على التاريخ.. مباصرة في رواية التاريخ” للناقدة العراقية د.نادية هناوي بالتاريخ كمادة روائية يقصدها الأديب ليحول الحوادث والسير والشخصيات والوقائع إلى مدونات نصية سردية يستحضر فيها الواقعي، كما يغلغل فيها التخييلي مستجمعا الوثائق ومستحثا الذاكرة ليلتقي الماضي بالحاضر على أرض واقع نصي، مقدما بذلك مادة أدبية ليس الهدف منها استعادة الماضي، أو استذكاره وإنما الهدف أبعد من ذلك بكثير، حيث حرصت هناوي على انتقاء عينات روائية اشتغل أصحابها على التاريخ وتسريده جاعلين منه وسيلة لا بغية، ووسعت إطار التعيين فلم تجعله عربيا بحتا، وإنما اختارت روايات أجنبية معربة امتازت ـ وفقا لها ـ باهتمامها بتوظيف التاريخ كناقل ثيمات فكرية ومموضع لبروتوكولات فنية.

من الأعمال التي اختارتها هناوي رواية “أزمنة الدم” لجهاد مجيد، ورواية السيرة النبوية “ها هو اليتيم بعين الله” لمحمد رضا سرشار، “قواعد العشق الأربعون” لاليف شافاق، “موت صغير” لمحمد حسن علوان، “سمرقند” لأمين معلوف، “ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان” لجيلبرت سينويه، و”أحمر حانة” لحميد الربيعي، “المخطوط القرمزي” يوميات أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس لأنطونيو غالا، وغيرها.

ورأت هناوي أنه بالرجوع إلى المنجز الروائي العربي الموظف للتاريخ ولقاعدة النقد الأدبي النظري والتطبيقي المزامن له والمهتم به، فإننا سنلمس بجلاء أن التمثيل للتاريخ يتحدد بخيارين أولهما يتجسد في انتقاء التوظيف التقليدي في تمثيل محكي التاريخ سرديا، وهو ما تعكسه الرواية التاريخية، والخيار الآخر يتجسد في الكيفيات التقانية التي تقلب هذا التمثيل وتؤدي وظيفة إشهارية عبر اللعب على المضمر الذي سكت عنه التاريخ الرسمي وحاول تهميشه وهو ما تعكسه رواية التاريخ.

وقالت إن تمثيلات النقاد العرب شهدت اختلافات كثيرة حول الروايات التي تستثمر الحدث التاريخي كمفاهيم وتقانات، وتلك الروايات التي توظف التاريخ كوسيلة لا غاية فضلا عن التباين في الرؤى إزاء الإصطلاح الاجناسي الذي يضع الحدود النظرية والأطر المنهجية والمواصفات الاجرائية لهذا النمط من التوظيف السردي، ولا نكاد نجد النقاد العرب اتفاقا اصطلاحيا على تبني تسمية مثلى تعطي لهذا الاشتغال السردي توصيفا يحظى بإجماع مبدئي على صلاحيته الإجناسية ولعل السبب عائد إلى واحد من أمرين:

الأول: التباين في الترجمة للمصطلح الغربي فمثلا اعتمد المترجم حيدر الحاج إسماعيل في ترجمة اجتراح ليندا هتشيون لهذا الجنس من السرد بـ “ميتا خرافة التاريخية” تماشيا مع اهتمامها بنظرية التاريخ في مرحلة ما بعد الحداثية. والثاني اختلاف الاجتهاد التطبيقي في معاينة المنظور المفهوماتي وتطبيقه إجرائيا على السرد والتاريخ معا، والسبب التفاوت بين منظري السردية الحديثة في توصيف شعرية هذا الاتجاه من السرد وبين منظري سرديات ما بعد الحداثية.

وتساءلت هناوي: كيف تصبح رواية التاريخ نصا مشفرا يستثمر الوقائع والتاريخ والسيرة وظيفيا باتجاه إنتاج التاريخ؟ وما الحدود الإجناسية النوعية بين رواية التاريخ ورواية السيرة الذاتية ورواية التخييل الذاتي والرواية الميتاسردية؟ وهل يمكن أن تتقاسم هذه الأجناس معمارية محكي التاريخ؟

وأضافت “إن رواية التاريخ ليست نمطا سرديا يشتغل على الثيمات ويهتم بالمحتوى أكثر من المبنى مثل الروايات الواقعية التي تهتم بثيمات بعينها كالمرأة أو العنف أو الريف أو العمال.. كما أنها ليست الروايات الواقعية التي تتذوتن في إطار جنوسي مثل الرواية النسوية أو إطار إقليمي مثل رواية الجنوب أو الرواية الخليجية، أو الروايات التي تتقولب في شكل أيديولوجي مثل رواية الماركسية أو القومية أو تحمل بعدا نفسيا مثل رواية الغربة أو رواية العصاب أو تتقولب في شكل طبقي أو فئوي مثل الرواية البرجوازية أو العمالية، أو الروايات المتجذرة بالعرقية الاثنية أو الأقلية الاثنولوجية مثل الرواية الكردية أو السريانية.. إلخ.

وأكدت هناوي أن رواية التاريخ تتجاوز هذه التحديات كلها وتتعدى تصوراتها بمجموعها والسبب أنها تتعالى على المعتاد في الكتابة السردية والمطروح من تقاناتها فضلا عن كونها رواية لا تنحاز للشكل كما هو الحال في الرواية الميتا سردية ولا تغلب المحتوى الموضوعي كالرواية التاريخية والروية الواقعية، بل هي إجناسية سردية بغيتها الأساس الاشتغال الشكلي الموضوعي معا في إطار ما بعد حداثي يتبنى طروحات فلسفية معينة ويتضامن مبدئيا مع توجهات تقويضية عاملة على تدعيمها عمليا في شكل اشتغال معولم أو عولمي وبقصدية الانفتاح والتداخل. والهدف المركزي هو عدم التسليم للتاريخ وفي الوقت نفسه الظفر بالحاضر الآني استشرافا للمستقبل القادم، وبما يضمن للإنسان وجودا حرا تأصيليا ليس فيه احتواء ولا إقصاء.

وإذا كانت رواية الميتا سرد تتبنى الأجناس كما تشتغل على القارئ، فإن رواية التاريخ لا تتعاطى التاريخ إلا كشكل سردي ثقافي يشتغل على المركز والهامش يهمه التجريب الفني، مثلما يعنيه اللعب على الأنساق بمقصدية تقويض الوعي الفكري وخلخلة الأطر المعرفية للتاريخ.

جاء كتاب هناوي في فصول ثمانية قسمت بين الرؤية التنظيرية والتطبيقية وإن غلب التطبيق النقدي التنظير، حيث حللت أدبيات التعامل العالمي مع مفهوم التاريخ من ناحيتي النقد والفلسفة لتقدم رؤى وتصورات حول التعامل السردي مع المادة التاريخية مؤكدة وجود اهتمام فكري ذي طابع جدلي تمحور حول فلسفة الزمن والوجود والتاريخ، وفي توجيه الرؤى وجهة علمية أو ميتافيزيقية أو ايستمولوجية أو ظاهراتية، ولكن المهم في هذا التوجه هو خصوصية التاريخ بوصفه مفهوما لا علما حظي باهتمام الفلاسفة قبل أن يحظى باهتمام نقاد الأدب ولاسيما نقاد مرحلة ما بعد الحداثة .

وتناولت التسريد في الرواية السيرذاتية التخييلية انطلاقا من مدخل نظري عن علاقة الرواية بالتاريخ من ناحية المنابت والتمثلات، تبعه تطبيق تناول تشظي الذاكرة والايهام بالواقع في هذه الرواية، والبغية توكيد أن التاريخ ميدان رحب للتخييل وأن بإمكان الروائي وهو يضع البطل تحت طائلة التأزم، من إزالة الحدود تماما بين القول التاريخي والأقاويل التخييلية منفلتا بذلك من قبضة التاريخ.

ميدل إيست أونلاين

بتلر يفند مفتريات المؤرخين في "فتح مصر"
«في اليقين»... ملاحظات لودفيغ فتغنشتاين قبل الموت

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

developed by Nour Habib & Mahran Omairy